الصفحة الرئيسية
>
شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم
.من أقوال المفسرين: .قال الفخر: إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} إن حملناه على المكان فهو جائز، أي في ذلك المكان الذي كان قاعدًا فيه عند مريم عليها السلام، وشاهد تلك الكرامات دعا ربه، وإن حملناه على الزمان فهو أيضا جائز، يعني في ذلك الوقت دعا ربه. اهـ. .قال ابن عادل: قال الشاعر: [الرجز] وحكمه حكم ذَا من كونه يُجَرَّد من حرف التنبيه، ومن الكاف واللام، نحو هُنَا وقد يَصْحَبه ها التنبيه، نحو هاهنا، ومع الكاف قليلًا، نحو ها هناك، ويمتنع الجمع بينها وبين اللام. وأخوات هنا بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها- وثَمَّ بفتح الثاء- وقد يقال: هَنَّت. ولا يشار بـ {هُنَالِكَ} وما ذُكِرَ مَعَهُ إلا للأمكنة، كقوله: {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صَاغِرِينَ} [الأعراف: 119] وقوله: {هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق} [الكهف: 44] وقوله: {دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13]. وقد زعم بعضهم أن هُنا وهناك وهنالك للزمان، فمن ورود هنالك بمعنى الزمان عند بعضهم- هذه الآية أي: في ذلك الزمان دعا زكريا ربه، ومثله: {هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون} [الأحزاب: 11]، وقوله: {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ} ومنه قول زهير: [الطويل] ومن هنَّا قوله: [الكامل] لأن لات لا تعمل إلا في الأحيان. وفي عبارة السجاوندي أن هناك في المكان، وهنالك في الزمان، وهو سهو؛ لأنها للمكان سواء تجردت، أو اتصلت بالكاف واللام معًا، أم بالكاف من دون اللام. اهـ. .قال أبو حيان: وقيل: دخلت اللام لبعد منال هذا الأمر لكونه خارقًا للعادة، كما أدخل اللام في قوله: {ذلك الكتاب} لبعد مناله وعظم ارتفاعه وشرفه. وقال الماتريدي: كانت نفسه تحدثه بأن يهب الله له ولدًا يبقى به الذكر إلى يوم القيامة، لكنه لم يكن يدعو مراعاة للأدب، إذ الأدب أن لا يدعو لمراد إلاَّ فيما هو معتاد الوجود وإن كان الله قادرًا على كل شيء، فلما رأى عندها ما هو ناقض للعادة حمله ذلك على الدعاء في طلب الولد غير المعتاد. انتهى. وقوله: كانت تحدثه نفسه بذلك، يحتاج إلى نقل. وفي قوله: {هنالك دعا} دلالة على أن يتوخى العبد بدعائه الأمكنة المباركة والأزمنة المشرفة. اهـ. .قال الفخر: والقول الثاني: وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء، وإرهاصات الأنبياء قالوا: إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا عند ذلك، واعلم أن القول الأول أولى، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان على طلب ما يخرق العادة، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب أيضا فعلًا خارقًا للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم، والزوجة العاقر من خوارق العادات، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى. فإن قيل: إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عندما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام. فإن قلنا: أنه كان عالمًا بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سببًا لزيادة علمه بقدرة الله تعالى، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك، فلا يبقى لقوله هنالك أثر. والجواب: أنه كان قبل ذلك عالمًا بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالمًا به، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات. اهـ. .قال الماوردي: أحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازًا. والثاني: أنه لما رأى فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. اهـ. .من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً}: .قال الفخر: .قال ابن عادل: أحدهما: أنه يتعلق بـ {هَبْ} وتكون {مِنْ} لابتداء الغاية مجازًا، أي: يا رب هَبْ لي من عندك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه في الأصل صفة لـ {ذُرِّيَّة} فلما قُدِّم عليها انتَصَبَ حالًا. اهـ. .قال أبو حيان: وتقدّم أن: لدن، لما قرب، و: عند، لما قرب ولما بعد، وهي أقل إبهامًا من: لدن، ألا ترى أن: عند، تقع جوابًا لأين، ولا تقع له جوابًا: لدن؟. اهـ. .قال الفخر: .من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء}: .قال الفخر: .قال ابن عادل: .قال ابن عطية: وكما قال الآخر: وفيما قال الطبري تعقب وإنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما زاد، وهكذا كان طلب زكرياء عليه السلام، و{طيبة} معناه سليمة في الخلق والدين نقية، و{سميع} في هذه الآية بناء اسم فاعل. اهـ. .قال ابن عاشور: أي في ذلك المكان، قبل أن يخرج، وقد نبهه إلى الدعاء مشاهدة خوارق العادة مع قول مريم: {إِنَّ الله يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] والحكمة ضالة المؤمن، وأهل النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبأنه، وقد كان في حسرة من عدم الولد كما حكى الله عند في سورة مريم. وأيضا فقد كان حينئذ في مكان شهد فيه فيضا إلهيا. ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمكنة بما حدث فيها من خير، والأزمنة الصالحة كذلك، وما هي إلا كالذوات الصالحة في أنها محال تجليات رضا الله. وسأل الذرية الطيبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة. ومشاهدة خوارق العادات خولت لزكريا الدعاء بما هو من الخوارق، أو من المستبعدات، لأنه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله تعالى، لاسيما في زمن الفيض أو مكانه، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزا لحدود الأدب مع الله على نحو ما قرره القرافي في الفرق بين ما يجوز من الدعاء وما لا يجوز. وسميع هنا بمعنى مجيب. اهـ. .قال القرطبي: وخرّج ابن ماجه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النكاح من سُنَّتي فمن لم يعمل بُسنّتي فليس منّي وتزوّجوا فإني مكاثِرٌ بكم الأمم ومن كان ذا طَول فَلْيَنْكِح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وفي هذا رَدٌّ على بعض جُهّال المتصوّفة حيث قال: الذي يطلب الولدَ أحمق، وما عَرَفَ أنه (هو) الغبيُّ الأخرق؛ قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: {واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين} [الشعراء: 84] وقال: {والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74]. وقد ترجم البخاري على هذا باب طلب الولد. وقال صلى الله عليه وسلم لأبى طَلْحة حين مات ابنه: «أعْرَسْتم الليلة»؟ قال نعم، قال: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما» قال فحملت. في البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن. وترجم أيضا باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة وساق حديث أنس بن مالك قال قالت أم سُليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. فقال: «اللهمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» وقال صلى الله عليه وسلم: «الّلهُمّ اغفر لأبي سَلَمة وارفع درجته في المهديَّين فيما واخلفه في عَقِبه في الغابرين» أخرّجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الوَلود الوَدود فإني مكاثر بكم الأمم» أخرجه أبو داود. والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر: «أو ولد صالح يدعو له» ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرّع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا مُعينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه؛ ألا ترى قول زكريا {واجعله رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 6] وقال: {ذُرِيَّةً طَيِبةً}. وقال: {هَبْ لنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِيَّاتِنَا قُرَّة أَعْيُنٍ}. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: «اللهمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيه» خرّجه البخاري ومسلم، وحسْبُك. اهـ.
|